محمود ماضي

123

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

المبحث الثالث الوحي النفسي كما انتهى بعض المستشرقين ، وزعيمهم في الوقت المعاصر « واط » إلى التشكيك في أمية نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إذ لا بد له كتاجر ناجح أن يكون قد تعلم شيئا من الفنون والعلوم التي كانت منتشرة في مكة وما حولها . نقول : انتهوا كذلك إلى أنه لا شك قد تتلمذ على العالم الذي تنصر أخيرا ورقة بن نوفل وعقد معه لقاءات كثيرة ومتعددة . وقد كشفنا عن زيف هذه الادعاءات بالوثائق المعتبرة . فضلا عن الواقع التاريخي الذي يكذب ما افتروه وروجوا له . وكما قلنا : لا نطالب هؤلاء أن يكونوا مسلمين أو كالباحث المسلم ، وإنما نطالبهم بالتعامل مع النصوص الشاهدة بحيدة وموضوعية ، أما أن يدع المستشرق معتقده - يهودية أو نصرانية أو علمانية مادية ملحدة - ولغته والرواسب السياسية الحاقدة ، تتحكم في بحثه وتوجهه ، فهذا كفيل باخراجه من دائرة الأبحاث العلمية المعتبرة والمستشرقون أو معظمهم يثيرون الشبهة ، ولعدم ثقتهم أنها تزعزع إيمان المسلم يبحثون في مخيلاتهم عن شبهة أخرى وهكذا . . . والشبهة التي نعرض لها الآن ما يسمونه : بالوحي النفسي : ويعنون به : أن القرآن فيض من خاطر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أو انطباع لإلهامه ، أي أنه ناتج عن تأملاته الشخصية ، وخواطره الفكرية ، وسبحاته الروحية . ولغ « درمنغام » في هذه الشبهة ، فذهب يصور الحالة النفسية لنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أثناء تحنثه في غار حراء ، والانطباعات النفسية التي تركتها مشاهداته وتأملاته وسبحاته . يقول : وهذه النجوم في ليالي صيف الصحراء كثيرة شديدة البريق حتى ليحسب الإنسان أنه يسمع بصيص ضوئها . وكأنه نفح نار موقدة : « حقا إن في السماء لشارات للمدركين ، وفي العالم غيب - بل العالم غيب كله - لكن ألا يكفى أن يفتح الانسان عينيه ليرى ، وأن يرهف أذنه ليسمع ؟ ليرى الحق ، وليسمع الكلم الخالد ؟ لكن للناس عيونا لا ترى ، وآذانا لا تسمع ، أما هو - أي محمد - فيحسب أنه يسمع ويرى . وهل تحتاج لكي تسمع ما وراء السماء من أصوات إلا إلى قلب خالص ، ونفس مخلصة . وفؤاد ملىء إيمانا » « 1 » .

--> ( 1 ) - الشيخ رشيد رضا : الوحي المحمدي ص 80 القاهرة 1380 ه - 1960 م .